Archive for التنمية في فلسطين

تدخل الأجانب أم إدخالهم؟

Posted in Public Opinion with tags , on February 1, 2009 by miragabi

د. عادل سمارة

عُقد يوم 19-11-2008 مؤتمر صحفي في غرفة تجارة رام الله، اصدر المشاركون فيه وهم مجموعة من المنظمات المحلية، بعضها جمعيات خيرية وبعضها جماهيرية وبعضها غير حكومية. إلا أن التسمية التي غدت شبه دارجة وهي: “منظمات العمل الأهلي” غدت الإسم المشترك لهن جميعاً، مما يخلط الحابل بالنابل والقابض بالمتقشف، والمحلي بالمتأجنب والداخلي بالمتخارج. وهذا يضع المواطن في تيار مروحة هائلة لا يعرف منها الروائح الطيبة من الخبيثة! لذا، من المهم تفكيك هذا الإسم ليتم تصنيف كل “نوع وجنس” على حدة.

وقضية المؤتمر والبيان هي اعتراض المؤتمرين على قيام الدول المانحة بالإشراف على ما تموله بنفسها وقيامها بالتعامل مع أفراد من البلد مباشرة “دون رقابة” بدل التعامل مع “هيئات”…الخ.

وقد ورد في نهاية البيان اسماء وعدد هذه الهيئات وهي:

– الهيئة الوطنية للمؤسسات الأهلية الفلسطينية (تضم 420) مؤسسة

– الاتحاد العام للجمعيات الخيرية (يضم 400) مؤسسة)

ـ شبكة المنظمات الأهلية تضم 132 مؤسسة

ـ الاتحاد الفلسطيني العام للمنظمات غير الحكومية -غزة- ويضم 120 مؤسسة

– هيئة العمل التطوعي

– الهيئة الفلسطينية للإعلام والتفعيل ودور الشباب “بيالارا” 7- منتدى شارك الشبابي

– مركز الرواد للثقافة والتدريب المسرحي.

ولكي لا أطيل على القارىء وعلى نفسي، ساتعامل مع الأمور مباشرة.

 

أولاً: الدولة الرخوة

كتب الاقتصادي السويدي جونار ميردال كتابه “الدولة الرخوة” منذ عقود كما اذكر وخصصه لتخلف العالم الثالث بسبب الفساد والتهام أموال الشعب عبر قنوات الفساد التي لا تمتلىء. وبالمناسبة لم يكن الرجل شيوعياً، كي لا ترتعد فرائص احد.

في حالة السلطة الرخوة اقتصاديا وتنموياً، ولا أقول قمعياً وبوليسياً، فهي حالة تستدعي هيمنة الأجنبي، وتستدعي ارتفاعه إلى مستوى السيطرة والخواجاتية. وحين تكون السلطة رخوة في هذا المستوى يصبح المواطن رخواً ويتهدد ذلك المجتمع. هذه طبيعة الألشياء طالما لا موقف عقيدي متماسك يصدها.

ثانياً: من منكم بلا خطيئة، فليرجم السيد المسيح بحجر! كم هم الذين في هذا البلد تسنى لهم القبض من الأجنبي فتعففوا وأنفوا ورفضوا؟ وبالمقلوب، من الذي لم يناله قسطاً من “رحمتهم”؟ والسؤال موجه مباشرة إلى الذين صاغوا البيان ومهروه بتوقيعاتهم. من الذي لم يأخذ من الأجنبي؟ آمل أن تكون الأكثرية قد رفضت. لكنني اسوق هذا السؤال للبحث في من يراقب من في هذا البلد؟ من الموثوق ومن المشكوك فيه؟ ومن اين يمكن استصدار شهادات الثقة؟ وإذا كان رئيس جمعية أنجزة قد قبض حتى اتفخت جيوبه وربما اوداجه (بالمذكر والمؤنث قصد المساواة هنا ايضاً) فهل من حقه منع غيره من العلاقة المباشرة مع الأجنبي؟ وحتى بعيدا عن اصحاب البيان، هل نعلم ان نقابة المحامين في الضفة الغربية حصلت على تمويل من الأجانب؟ هل يُعقل هذا؟ أهل الحق والقانون يتمولون من الأجنبي وهو عدو واضح. لعل آخر أقوالهم بأنفسهم ما قاله جوردون براون في رام الله ان الاتحاد الأوروبي يعطي الأولوية الإقتصادية لإسرائيل على كل الشرق الأوسط. لن نتحدث عن التسليح. طالما هو سوق قبض مفتوح، فلم لا يحصل؟ لا فرق بين القبض فرديا أو مؤسساتياً.

أما وقد شبع الأجنبي من خلق اباطرة مال وأنجزة، سواء في الصحة أو الزراعة او تمكين المرأة او تعميق الديمقراطية وألف أو أخرى، فقد تحول الأجنبي إلى “العدالة” بل “الاشتراكية” ليعطي “كل حسب حاجته”.

شرط الأمور هو عدم القبض من الأجنبي.

ثالثاً: لو لم يجد هذا الأجنبي مناخاً تسهيلياً هنا، قبل السلطة وبعدها، وهذا يفتح على “التمول” الذي بدأ منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، لاحظوا اصبح لهذا تاريخ طويل، لما وصل الأمر إلى دخولهم البيوت. هل سأل أحد الجمعيات والمنتديات التي فتحت بطونها للتمول؟ لماذا فعلت ذلك؟ هل يرفض مواطن دعوة هذه المؤسسات إلى حفل استقابل او إلى مناقشة أحد الأمور التافهة التي تكتب فيها اوراق عمل؟ وليس بعمل. بدأ اليسار بطرق ابواب التمويل ولحقه اليمين فالإسلاميين! أورد هذا لمساعدة من يريد أن يعالج الأمور وليس فقط حفظها في الأرشيف. وبعدها تدفقت الناس إلى القبض وتسابقت، ولا إخال اي تنظيم فلسطيني لم يُقم منظماته غير الحكومية الممولة من الأجنبي. فالبنية هي التي استدعت الأجنبي الذي له اجندته بالطبع.

رابعاً: يزعم البيان ان ليست جميع المؤسسات والدول المانحة تحمل أهدافاً وأجندة لا يقبلها أهل البيان. وهذا ليس اكثر من حفظ خط رجعة ووضع المواطن في دوامة. فمن الذي بوسعه الفرز والوصول إلى اليقين؟ وهل هناك دولة مانحة لوجه الله!

خامساً: تحدث البيان عن المجتمع المدني ومؤسساته ونسيجه…الخ. وحبذا لو يتعمق الذين يرددون مصطلح المجتمع المدني أكثر من البسملة. هل هناك مجتمعاً مدنيا هنا؟ في حالة البلد الرخوة، لا يكون هناك مجتمعاً سياسياً حقيقياً، فكيف يكون هناك مجتمعاً مدنياً على اعتبار أن وجود الثاني يفترضه وجود وحضور الأول. ليس المجتمع المدني هو المجتمع، او الناس، هو الدور الذي تقوم به مجموعات وجماعات ونقابات واحزاب…الخ. ولكن حين تكون كل هذه رخوة، يغدو الحديث عن المجتمع المدني فكاهة أو تندراً. ولذا ربما لا نجد فاعلية حقيقية لما يسمى هنا مجتمعا مدنياً.

بعبار أخرى، فإن ما يُفترض أن تكون منظمات مجتمع مدني تحاول ضبط عسف المجتمع السياسي، هي في هذا البلد فرقا من المصفقين للمجتمع السياسي المحلي والأجنبي.

هل يوجد في غير بلادنا مواطن يشكر الرئيس او الوزير على توظيفه إلا لأن المواطن يعتبر البلد مزرعة المسؤول؟

حضرت في ذات اليوم، نقاشا في مؤسسة ماس عن الهجرات الداخلية والهجرات من وإلى الخارج وعن هجرة الأدمغة. وما لفت نظري ذلك الإجماع على مديح القطاع الخاص واعتباره المسيح المخلص للبلد. قد يكون ذلك، إنما هذا التماهي مع إيديولوجيا المجتمع السياسي يعني ان ليس هناك مجتمعا مدنياً بل هو مستوعب فيه.

سادساً: يطالب البيان السلطة الفلسطينية ان تضع ضوابط قانونية للتدخل الأجنبي. وهذا أمر غريب، كأن أهل البيان ليسوا من أهل البلاد. فهل بوسع السلطة وضع مثل هذا الحد؟ نتمنى، وهو سؤال موجه إلى السلطة. ولكن بالمقابل، اذكر ذات مرة أن السيدة ريما حمامي (محاضرة في جامعة بير زيت) كانت قد كتبت مقالا تطالب بأن تقوم منظمات الأنجزة برقابة الحكومة؟ واذكر أنني رددت عليها في مجلة كنعان، بأن الشعب الذي يجب أن يراقبهما. لكن كيف بربكم لو تصبح هذه المنظمات رقيبة على كل شيىء؟

أما وقد صح قول المتنبي:

نامت نواطير مصر عن ثعالبها وقد بشمن وما تفنى العناقيدُ  

أما والحال على ما هو عليه، فإن المطلوب هو:

1) مسائلة كل منظمة من اين لإدارتها هذا؟

2) تشكيل هيئة تنمية مراقبة مجتمعية من مختلف فئات المجتمع وجنسيها بالطبع، على أن تنتخب انتخاباً لترعى هذا الأمر وتتفاوض مع من يزعمون تقديم المنح، إذا كان كل هذا ضروريا وفرزهم إلى أعداء واصدقاء وأشقاء، وتوجيه المال النظيف، إن وُجد لقطاع تنموي وعام.

Advertisements